أحمد أمين
56
كتاب الأخلاق
في البلاد الأخرى ، واتسعت سلطتهم فكانوا يتدخلون حتى في أسرار الناس ، فحبسوا كل من يتهم بالزندقة ، وأهملوا المتهمين في السجن ما شاؤوا من غير أن يحاكموهم ، وكان أخلص الناس للكثلكة عرضة للتهمة ، ولا يقال للمتهم عمن اتهمه وبذلك عذب مئات الآلاف . وكان أكثر القائمين بهذا التعذيب معتقدين الحق فيما فعلوه ، وأنهم إنما يطيعون وجدانهم فيما يفعلون . ومع أن الوجدان قد يخطئ ، فلا بد من إطاعته ؛ لأن الإنسان مأمور بعمل ما يعتقد أنه الحق لا بعمل ما هو حق في الواقع ، فالذي يرى شيئا حقا ويأمره وجدانه بعمله ملزم بالطاعة ، وهو معذور لو تبين بعد أن العمل كان ضارا . وسنبين في « الحكم الأخلاقي » أن العمل يحكم عليه بأنه خير أو شر نظرا لغرض العامل لا نظرا لنتائجه ، فالذي يطيع وجدانه دائما خير ولو تبين خطؤه فيما بعد - أعني ولو كان عمله ضارا - ولكن يجب علينا أن نضيء السبيل أمام الوجدان بتوسيع العقل وتقوية الفكر وتحري الصواب ، فليس الوجدان إلا تابعا للعقل ، فما يراه العقل خيرا يأمر به الوجدان . فإذا نحن قوينا عقلنا ووسعنا نظرنا في حكمنا على الأشياء بالخيرية أو الشرية كان الوجدان هاديا مرشدا . يجب أن نسمع لصوت الوجدان ونأتمر بأمره ، ولو خالف رأي من حولنا ووجدانهم . ولا نجعل للخجل وخشية كلام الناس سلطانا علينا ، فإن الحق الذي يلزمني اتباعه ما أراه الحق لا ما قال الناس إنه الحق . تربية الوجدان : الوجدان ككل ملكات الإنسان وقواه ، يمكن أن ينمى بالتربية ويضعف بالإهمال ، فبإهمال الوجدان أو عصيانه يضعف أو يموت كمن منح ذوقا حسنا في سماع الغناء ، ثم أهمل السماع مدة طويلة فإنه يضعف ذوقه أو ينعدم ، كالذي حكى عن « دارون » أنه كان في صباه مغرما بالشعر ولكنه أهمل قراءته والنظر فيه ، ففقد هذا الميل في آخر حياته ولم يعد يشعر بما للشعر من جمال ، وهذا الشأن في الوجدان يأمرك مرة بعمل فتعصيه فتحس بلذع شديد ، فإذا عدت إلى عصيانه أحسست بألم دون الألم الذي تشعر به عند أول مخالفة ، ولا يزال الإنسان يتبع السيئة السيئة حتى لا يشعر بأي نوع من اللوم والتأنيب ؛ لأن صون الوجدان قد خفت ، وسلطانه قد ضعف ، وكما يضعف الوجدان بالإهمال أو العصيان يضعف